أحمد بن علي القلقشندي

389

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

القطر الثاني ( مما غربيّ الخليج القسطنطينيّ الأرض الكبيرة ) قال صاحب حماة : وهي أرض متسعة في شماليّ الأندلس ، بها ألسن كثيرة مختلفة . وقد ذكر في « التعريف » أنها في شرق الأندلس ، ولا يصح ذلك إلا أن يريد منها ما هو شرق شمالي الأندلس . ويتعلق الغرض منها بثلاث ممالك : المملكة الأولى ( مملكة الفرنج القديمة ) وقاعدتها ( مدينة فرنجة ) بالفاء والراء المهملة المفتوحتين وسكون النون وفتح الجيم وهاء في الآخر ، وقد تبدل الجيم منها سينا مهملة فيقال فرنسة . ويقال لملكهم ريدإفرنس ، ومعناه ملك إفرنس ، والعامة تقول الفرنسيس . وهو الذي قصد ديار مصر وأخذ دمياط وأسره المسلمون ثم أطلقوه . يشير بذلك إلى قضية تاريخية ، وهي أن الفرنج في سنة خمس عشرة وستّمائة وهم مستولون على سواحل الشام يومئذ سار منهم نحو عشرين ملكا من عكَّا وقصدوا دمياط في أيام الملك العادل « أبي بكر بن أيّوب » ( 1 ) رحمة اللَّه ، وسار العادل من مصر إليهم فنزل مقابلهم ، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر ، ومات العادل في أثناء ذلك ، واستقرّ بعده في الملك ابنه الملك « الكامل محمد » فوقع في عسكره اختلاف تشاغل به ، فهجم الفرنج دمياط وملكوها عنوة في سنة ستّ عشرة وستّمائة ، وطمعوا بذلك في مملكة الديار المصرية ، فبنى الملك الكامل بلدة عند مفرق النيل : الفرقة الذاهبة إلى دمياط ، والفرقة الذاهبة إلى أشموم طناح ، وسمّاها ( المنصورة ) ونزلها بعساكره ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت سنة ثمان عشرة وستّمائة ، وقد اشتدّ طمع الفرنج في الديار المصرية ، وتقدّموا عن دمياط إلى المنصورة وضايقوا المسلمين

--> ( 1 ) سبق التعريف به .